محمد كرد علي

277

خطط الشام

سنين من تاريخ حكومته ، حكمها بصورة شرعية بعد وفاة الملك دقاق ابن تتش بن آلب أرسلان وكان خطب أولا لابن دقاق ، وكان دقاق خلف طفلا له سنة واحدة ، فقطع طغتكين خطبته وخطب لبكتاش بن تتش عم هذا الطفل ، ثم قطع خطبة بكتاش وأعاد خطبة الطفل ، وهو آخر من خطب له بدمشق من بني سلجوق ، واستوحش بكتاش من طغتكين خوّفته والدته منه وقالت : إنه زوج والدة دقاق وهي لا تتركه حتى يقتلك ويستقيم الملك لولدها ، فخاف وحسن له من كان يحسد طغتكين مفارقة دمشق وقصد بعلبك وجمع الرجال والاستنجاد بالفرنج ، وكان بكتاش في الثانية عشرة من عمره ومعه ايتكين الحلبي صاحب بصرى . استمر طغتكين في ملك دمشق خمسا وعشرين سنة حتى مضى لسبيله سنة 522 وكان على غاية العدل والبعد عن الظلم ، أعاد إلى الرعية كثيرا من أملاكهم التي اغتصبها منهم ولاة الجور ، وجرت عليها أحكام المقاسمة ، وأرجعها إلى خراجها القديم ، وأحيا الأراضي المعطلة ، وباع ما كان منها شاغرا للناس ليعمروه ، وصرف ما حصل من ثمنها في الأجناد المرتبين للجهاد ، فعمرت عدة ضياع وأجريت عيون ، وحسنت بإيالة طغتكين دمشق وأعمالها ، وعمرت الأقاليم بجميل سياسته وحسن تدبيره ، وكثرة إحسانه ، وانبسطت الرعية في عمارة الأملاك في باطن دمشق وظاهرها ، ولذلك اشتد حزن الدمشقيين عليه ، ولم تبق محلة ولا سوق إلا والمآتم قائمة فيه عليه . قال ابن عساكر : كان طغتكين شهما مهيبا مؤثرا لعمارة ولايته ، شديدا على أهل العيث والفساد . وقال آخر في وصفه : إنه لا يشبه غيره من ملوك الطوائف ، وكان على شيء من التدين حتى إنه لما عاون أهل صور على دفع الصليبيين سنة 505 ولم يفوا له بما كانوا بذلوه له من تسليم البلد قال : إنما فعلت ما فعلت للّه تعالى وللمسلمين لا لرغبة في مال ولا مملكة . وكأن طغتكين كان مبشرا بظهور آل زنكي وآل أيوب في هذه الديار يردون حملة الغرب عن الشرق ، ويكفونها معرّة التفرق ، ويجمعون كلمتها على الحق والمطالبة به فتصبح مملكة برأسها ، تأتمر الأقطار المجاورة